00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مقاربات عبد الحسين شعبان الدينية.. بين سخرية البائع المتجوّل للإلحاد وأبلسة الشيوعية

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

مقاربات عبد الحسين شعبان الدينية..  بين سخرية البائع المتجوّل للإلحاد وأبلسة الشيوعية

 

مهدي السعيد

 

 

يبدو لي أن عالم الثقافة يكاد يكون أكثر العوالم حيوية واتساعاً، قياساً لما يتضمنه من فضاءات ليس لها نهاية ، حيث تكون دائرته كل شيء يحيط بحياة البشر تقريباً. وإذا أراد المثقف " المفكر" أن يقتحم موضوعاً واحداً معنياً، فلا بدّ له أن يربط مثل هذا الموضوع بأمور الحياة المختلفة التي تواجه الإنسان، لكي تكتمل الصورة من جوانبها المختلفة، وبذلك يكون قد أدّى الرسالة، وهذا ما فعله بالضبط الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه " الإمام الحسني البغدادي... مقاربات في سوسيولوجيا الدين والتديّن"، الصادر عن دار إحياء تراث الإمام البغدادي في النجف الأشرف.

 

لقد وجدت وأنا أقرأ في هذا الكتاب القيّم، مواضيع أساسية ربّما تطرح على الملأ بهذا الشكل للمرة الأولى في تاريخ الثقافة العراقية المعاصرة. كما أنني اكتشفت أن ثمة تقارب "إبداعي" في أسلوب شعبان وأسلوب المسعودي في كتابه، الموسوعي "مروج الذهب" وتقترب نكهتهما عن بعضهما ، ولا عجب في ذلك فكلاهما يعيش ويتحرك في فضاء رحب حتى وإن فصلت بينه مئات السنين غير أن جذروه العراقية واحدة.

 

مقدمات التوثيق

 

الكتاب يتألف من 332 صفحة تبدأ المقدمة بـ "التمهيد"، ومن ثم المحتويات التي قسّمها إلى عدة أقسام وأولها " دين العقل وعقل الدين" حيث يتناول فيها بعض مقدمات " التوثيق" عن السيد محمد الحسني البغدادي. ويستهل الدكتور شعبان مجمل مواضيعه المطروحة في هذا الكتاب بعرض شفّاف حول العلاقة بين جهوده الفكرية والسياسية ونتاجاته المختلفة حول العلاقة الجدلية بين الدّين والسياسة.ويحاول أن يعكس من خلال ذلك طبيعة الجدل الدائر حول الاختلاف ما بين الإثنين منذ الستينات وحتى الآن، وبجرأة كبيرة يتناول العديد من العُقد الاجتماعية التي يستند إليها كلا الجانبين المتمثلين بالتيار الديني " وخاصة الحوزوي" والتيار العلماني المادي المتمثّل بالحزب الشيوعي العراقي.

 

وبتحليل موضوعي لظاهرة اجتماعية واضحة المعالم تتمثّل في الموقف الديني من الحركة الشيوعية، إضافة إلى التفريق بين الدين والتديّن. ويقول في هذا الخصوص" أجد من الضروري مكاشفة النفس في واقعنا انطلاقا من العلاقة العضوية السسيوثقافية" بين الدين والتديّن، وتلك التي تشير إلى جهل الإنسان بذاته وبالآخر، وسواءً كان فرداً أم جماعة أم حتى مجتمعاً ".

 

ولغرض إزالة ما يحيط بهذه الحقيقة من غموض والتباس وتعارضات يذكر الدكتور شعبان أنه "ابن البيئة الدينية عائلياً ومدنياً وأعرف دروبها الوعرة بمنعرجاتها والتوائها ومنعطفاتها الحادة في سكونها أم في حركتها وأستطيع أن أتعامل معها بارتياح كامل وانفتاح حر" .

 

ويضيف "ليست المشكلة مع الدين، بل هي مع التديّن وإنْ كانت بعض النصوص الدينية لا تزال تقرأ بماضوية مفصولة عن عصرنا، أي بطرق سلفية عتيقة".

 

وفي مناقشته للإلحاد والتدين يحاول الدكتور شعبان أن يجد ثمة جسوراً وإنْ تبدو مظلّلةً كظاهرة اجتماعية لا يمكن إلغاؤها أبداً، وبين المادية التي ظهرت وانتشرت في مجتمعات محكومة من قبل الكنيسة ورأس المال اليهودي. ويستنجد في فكرته هذه بأحد مؤسسي النزعة الفكرية للشيوعية ألا وهو فردريك إنجلز رفيق كارل ماركس "التاريخي" الذي انتقد الفيلسوف والطبيب الألماني لودفيغ بوخنر (1824-1899) بسخرية لاذعة حين اعتبره "بائعاً متجوّلاً للإلحاد ".

 

وهذا دليل على أن الفكر المادي وخاصة النظرية الماركسية لا يعنيها الدين بقدر ما يعنيها العامل الاقتصادي، وبالذات استغلال الفقراء وتحديداً الطبقة العاملة، أما مقولة ماركس " الدّين أفيون الشعوب"، فهي كما يشير إلى ذلك الدكتور شعبان فقد جاءت تعبيراً عن استغلال الكنيسة للجمهرة الواسعة من شرائح المجتمع آنذاك . ولم يكن ماركس آنذاك قد اطّلع على فلسفة الدين الإسلامي أو ما تبنّاه من مفاهيم العدالة الاجتماعية والمساواة والحرّية .

 

لقد انتقد ماركس هيمنة الكنيسة على مقدّرات الفقراء، حيث استخدمت الدين كذريعة من خلال التبشير بالجنة بدلاً من توفير مستلزمات المعيشة العادلة لهم. وانتقد أيضاً في كتابه " المسألة اليهودية" سيطرة اليهود على مقاليد الاقتصاد حيث مارسوا الربا وربطوا أغلب البنوك بهم وجوّعوا عموم الناس، وخاصة الطبقة العاملة المنتجة، أي البروليتاريا.

 

أما في القسم الثاني الموسوم بـ " الظاهرة الدينية : الذاتي والموضوعي" فقد تناول الدكتور شعبان فصولاً من السيرة الذاتية لسماحة السيد أحمد الحسني البغدادي (الحفيد) بعد أن انصبّ جهده الأساس لتسليط الضوء على الجد الكبير لربط الماضي بالحاضر ولاسيّما في الموقف من الاحتلال ،حيث عرض الخلفية التاريخية لعائلة السيد وعلاقة القرابة ما بين عائلته وعائلة الدكتور شعبان ، وعند لقائه أثناء زيارته لدمشق وناقشه حول العديد من قضايا الدّين والمتدينين والفتاوى التي ظهرت في فترة الستينات ضد الحزب الشيوعي العراقي وضد المادية عموماً، وكان النقاش قد بلور مخارج مقبولة من كلا الطرفين ربّما كان من الأجدر أن تظهر آنذاك منعاً لتفاقم المشكلة .وفي القسم الثالث الذي يحمل العنوان" ما بين الدّيني والسياسي" قال الدكتور شعبان مقولته التقديمية للسيد محمد الحسني البغدادي " أما بالنسبة للحسني البغدادي، فإنه بدأ ثورياً في مسيرته واستمر حتى آخر أيام حياته ، فموافقه الراديكالية وجذريته السياسية كانت متواصلة، خصوصاً إزاء القضايا المصيرية التي تهمّ الأمتين العربية والإسلامية "، ولكنه انتقده في مواقفه المحافظة إزاء التشدّد في الطقوس والشعائر مع إيمانه الشديد بحرية ممارستها وقارن بين الماضي والحاضر منتقداً استغلال ذلك لأهداف سياسية ضيقة وبما يعطل سير العمل في الدولة.

 

لقد رسم شعبان الملامح الحقيقية السياسية والأخلاقية لمرحلة السيد البغدادي فضلاً عن الكثير من تفاصيل الواقع الاجتماعي المرافق لسيرته المتميزة، وذلك خلال عرضه الدقيق لمجتمع النجف السياسي والاجتماعي في مطلع الستينات، حيث  أشار إلى أنه مجتمع منفتح على نفسه ومتآزر قائم على أساس الاختلاف والتوحّد، حيث تجد في هذا المجتمع تنوّعاً فكرياً واضح المعالم، وكلّنا نعلم بأن مدينة النجف تضم مراقد الأئمة الأطهار وهي عبارة عن جامعة كبيرة تديرها الحوزة العلمية ويدرس فيها مئات من طلبة العلوم الدينية الذين ينتمون إلى عوائل نجفية عريقة وإلى الوافدين من أقطار إسلامية شتى، علماً بأن عديداً من أفراد هذه العوائل الدينية ينتسبون إلى الحزب الشيوعي، حيث لا ضير في ذلك طالما كان الهدف هو محاربة الظلم والظالمين.

 

وقد استثمر الشيوعيون في النجف وكربلاء والكاظمية الطقوس الدينية والشعائر الحسينية لرفع الشعارات السياسية وخصوصاَ في العهد الملكي التي تندد بالاستعمار وتدعو إلى توفير الحقوق للعراقيين، مثلما كان لهم دور متميز في توجيه المواكب الحسينية في عاشوراء والمناسبات الدينية الأخرى.

 

أما القسم الرابع " جدليات الحوزة الدينية" فهو يشكّل بحثاً موسوعياً عن الواقع الذي يحكم دائرة "الحوزة النجفية " ومواقف المرجعية الدينية تجاه الوضع السياسي في العراق والذي تمخّض في مطلع الستينات عن إقحام الدين في السياسة من خلال صدور عددٍ من الفتاوى التي تحرم عمل الحزب الشيوعي وتعتبر الشيوعية " كفراً وإلحاداً.

 

نقد المواقف

 

ولا يتحفظ الدكتور شعبان في نقد المواقف المؤطرة بالإطار السياسي الذي مارسته بعض المرجعيات الدينية تجاه الشيوعيين ومن بينهم الحسني البغدادي.

 

وكما يقول شعبان كنّا نعرف أن الحسني البغدادي متضايق من " انحراف " الثورة "ويعني ثورة 14 تموز"، ومن هيمنة الشيوعيين وإرهابهم الفكري، كما مورست عليه بعض الضغوط من جماعة العلماء" التي تعمل بتوجيه من مرجعية الحكيم، وذلك بهدف اتخاذه موقفاً ضد الشيوعية، وعلى الرغم من تحفظه وتردّده لكنه عاد وأصدر " رأياً" نشر عام 1964 وحينها لم تكن الشيوعية تمثل خطراً على الحكم كما كانت في العام 1959.

 

وفي القسم الخامس يسلط الدكتور شعبان  الضوء على ما حدث في الموصل وكركوك من تصادم بين الفئات العراقية المختلفة ودور الشيوعيين في تأزيم الوضع بالتحالف مع الأكراد، الأمر الذي أدى إلى مذابح بحق الخصوم آنذاك وبالأخص التركمان، وهو ما استغلته المرجعيات الدينية الشيعية والسنّية وحكم قاسم ذاته ويتناول أسماء المرجعيات التي حرمت عمل الشيوعيين من خلال فتاوى متتالية، ومنهم السيد محسن الحكيم وعبد الكريم الجزائري ومرتضى آل ياسين ومحمد الخالصي وغيرهم. ويعتبر شعبان أن الفتوى لم تضرّ بالحركة الشيوعية وحدها، ولاسيّما في الريف والمناطق البعيدة، في حين أن تأثيرها في النجف وكربلاء والكاظمية كان محدودا جداً، لكنها أضرّت بالحركة الدينية ذاتها، خصوصاً وقد وجهت إصبع اتهام لها في ظل الصراع الآيديولوجي القائم بين المعسكرين آنذاك وظروف الحرب الباردة.

 

هذا التوثيق لمرحلة مهمة من تاريخ العراق السياسي لم يحدث أن قام به أحدٌ من الكتّاب السابقين وقد بادر الكاتب إلى عرضه وتوثيقه ونقده بلغة معتدلة مثلما انتقد مواقف الآخرين .ويتناول شعبان في القسم السادس حالة الخلاف التي كانت قائمة بين قمة المرجعية الدينية في النجف الأشرف وخاصة بين البغدادي والحكيم ودخول شاه إيران على الخط ، وموقف البغدادي تجاه تدخل شاه إيران في المسألة السياسية داخل وخارج الحدود العراقية حيث كان البغدادي عدواً لشاه إيران والذي ساواه بإسرائيل.

 

وفي القسم السابع ناقش شعبان مسألة " الجهاد كفكرة دفاعية" حيث استبعدت من كتب رجال الدين منذ فترة طويلة على الرغم من أن ثلاثة من فقهاء الشيعة المتأخرين أخذوا بفكرة " الجهاد الابتدائي"، ويؤكد شعبان أن الحسني البغدادي "الحفيد" قد نقل له ما سمعه من جدّه في مجلسه ما يفيد أنه كتب كتاب " الجهاد الدفاعي" كمبتكر لم يسبقه إليه أحد من كبار الفقهاء التقليديين . وعرّج شعبان هنا ليفرّق بين الجهاد الدفاعي وبين الجهاد الكفائي الذي طرحه السيد السيستاني بعد احتلال داعش للموصل في العام 2014.

 

تيارات عدة

 

كتاب شعبان وهو أحد المفكرين الفاعلين والمنفتحين على تيارات عديدة يعتبر التفاتة ذكية وجريئة للغاية ، لاسيّما تناوله قضايا عديدة مسكوتاً عنها منذ أمد بعيد وهذا يدلّ على فطنته للبحث في مواضيع محاصرة ولا تستطيع الانعتاق من واقعها المعقّد وبذلك يعبّر عن موقف مسؤول للمثقف العضوي.

 

إنني حقاً وجدت في هذا المؤلف ما كنت أتساءل عنه طوال السنوات الماضية ، ففيه إجابات شافية ربما تساعدني وتساعد العديد من الباحثين في هذا الميدان على تلمّس الطريق الصحيحة للوصول إلى جوهر العقد الاجتماعية المتعلّقة بعلاقة الدين بالتدين والسياسة وما تجرّه من قناعات إئتلافية أو تصادمية تبين تيارات فكرية ناشطة في المجتمع، بل ويمكنها اللقاء والتفاهم في إطار المشتركات الإنسانية .

 

 

عدد المشـاهدات 92   تاريخ الإضافـة 03/06/2018   رقم المحتوى 20131
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2018/10/16   توقيـت بغداد
تابعنا على