00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الكاتب اللبناني البارز فؤاد مطر لـ (الزمان): راعني أسلوب التعامل الأمريكي مع رموز القرار الكردي 

حوارات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الكاتب اللبناني البارز فؤاد مطر لـ (الزمان): راعني أسلوب التعامل الأمريكي مع رموز القرار الكردي 

رأيت في المشهد الكردي قبل الإستفتاء ما نعيشه بالنسبة للموضوع الفلسطيني

أقترح لجنة حكماء عربية كردية كتلك التي كان الملك عبد العزيز يعوّل عليها

احمد عبد المجيد

برغم اهتمامه الكبير بالوضع العربي العاصف والاشد عصفا، كما يسميه، فان الشأن العراقي احتل الصف المتقدم من تحليلات الكاتب اللبناني البارز فؤاد مطر. وعبر مراجعة سريعة لنتاجه التأليفي الوفير وكتاباته الصحفية الاكثر وفرة يدرك الذين عايشوا مسيرة مطر، او كانوا شهودا على بعض محطاتها، مثلي، ان الحراك السياسي الكردي استوقف مطرا وحفزه على الخوض في الموضوع الكردي طيلة نحو ربع القرن الماضي. لقد عالج هذا الموضوع منطلقا من زوايتين الاولى ارتباط المسألة الكردية بالشأن العراقي والثانية اعتقاده ان هذه المسألة تمثل توأما للقضية الفلسطينية. ولعل

صدور كتابه الجديد (الكردي المخذول) الذي حظي باهتمام غير مسبوق من بين مؤلفاته السابقة، يؤكد رؤية مطر ان المداخلات الدولية في المسألة الاولى والقضية الثانية، وراء النتيجة المشتركة التي آلت اليهما حتى الان.

وبمناسبة صدور اخر كتب الاستاذ فؤاد مطر، دار حوار، لابد منه، بين صحفي عايش الحالات العربية نصف قرن او يزيد، و(الزمان) التي وضعت الموضوع الكردي وتوأمه الفلسطيني ضمن اولويات تغطياتها وفيما يلي نص الحوار:

 

{ ما الذي تريد قوله في كتابك الجديد (الكردي المخذول –  رواية الدولة السراب في الوطن المستحيل)؟

– إني كصحافي يعايش على مدى نصف قرن الحالات العربية العاصف منها والأشد عصفاً في شكل خاص، من تحصيل الحاصل أن يستوقفني في الدرجة الأعلى حتى إشعار آخر الخط البياني للحراك السياسي الكُرْدي. والذي يحفِّزني أكثر أنني في إهتماماتي للشأن العراقي وكذلك في معالجاتي الكتابية كان الموضوع الكُرْدي حاضراً دائماً في البال. وكانت تُجاور هذا الحضور رموز سياسية وثقافية وفنية تشكيلية كُردية. ومن مناقشات ومجادلات مع هؤلاء إلى جانب المتابعة، بات الموضوع الكُرْدي جزءاً أساسياً في  (أجندة) إنصرافي على مدى الربع القرن الماضي إلى رفْد المكتبة العربية بمؤلفات تضيء على المعلوم والمجهول من الأحوال العربية السياسية المتشابكة وبالذات العالق منها، مثل الموضوع الفلسطيني وتوأمه الموضوع الكُرْدي. وكان الكتاب الجديد لي بعد الذي إستفزني أو فلنقل راعني أسلوب التعامل الأميركي مع رموز القرار الكُرْدي حيث زيَّنوا لقادة الشعب محاسن الإنفكاك عن عراقهم الكبير وأوحوا بالمساندة إعترافاً بالإقليم دولة مستقلة لمجرد إنتهاء الإستفتاء وظهور النتيجة المشجعة، كذلك حث دول الإقتدار المالي العربي الخليجي والدول الأوروبية واليابان على تأمين صناديق دعْم سخية لإنعاش الدولة، فضلاً عن تسليحها بحيث تملك نسبة عالية من الثقة بالنفس. لكن لا شيء تحقَّق من هذه الوعود، وبذلك فقد أهل القرار الكُرْدي ورقة الإنتقال من حُكْم ذاتي إلى دولة مستقلة. وإنتهى الأمر بالإقليم من حالة التماسك إلى الخذلان.

كلمة الاهداء

وأما الذي أردتُ قوله من كتابي هذا فإن كلمة الإهداء كفيلة بأن تفي بالإجابة. لقد رأيتُ في المشهد الكُرْدي قبل الإستفتاء وبعده ما نعيشه بالنسبة إلى الموضوع  الفلسطيني. كلاهما من ضحايا التسويق الأميركي لمشاريع تبداُ وعوداً براقة وتنتهي خذلاناً متعمداً أو نتيجة عدم التبصر بما يكفي. وأما كلمات الإهداء فكانت برسم اللبيب الذي يفهم من الإشارة إيماءة كانت أو حروفاً ، وبالنص الآتي:  (إلى المخذول الآخر.. الشعب الفلسطيني وسائر المخذولين في الأمتيْن العربية والإسلامية، الآتي دورهم ما دام العم سام يمحو في الليل معسول الكلام الذي يقوله في النهار… ومن دون أن يرف له جفن. وللتنبه من شِرْك الخاذلين ونفاقِهم، التأمل في قول الرسول (ص):  )آية المُنافِقْ ثلاث: إذا حدَّث كذَبَ، وإذا وعد أخلفَ، وإذا إئتُمِن خانَ(. وقول الإمام علي بن أبي طالب (رض) شِعراً: (يعطيك منْ طرِف اللسان حلاوة.. ويَروغُ منكَ كما يَروغُ الثعلبُ). وقول مكيافيللي: (أربْحُ الناس سهْماً في هذه الحياة أقْدَرُهُم على إصطناع الملَق وتلوّنُ الوجه).

{ لاحظنا ان الاهداءات التي تتصدر كتبك تحمل مغزى واسقاطات على الواقع.. لماذا تلجأ الى هذا الاسلوب؟

– أود الإشارة هنا إلى أنني في معظم مؤلفاتي أعتمد الأسلوب نفسه لجهة الإهداء. فقبل كتاب  (الكُرْدي المخذول) كانت (الدار العربية للعلوم) ناشرة أكثرية مؤلفاتي أصدَرَت كتاباً لي بعنوان (هكذا حالي وأحوال العراق. ساعات طويلة من الحوارات الصريحة مع صدَّام حسين). وكان الإهداء في هذا الكتاب بالنص الآتي:

 الغيْب مجهول… يُحارُ دليلهُ.. واللُّبُ يأمر أهلهُ أن يتَّقوا

 لا تظلموا الموتى، وإن طال المدى..إني أخافُ عليكم أن تلتقوا

من أبلغ أبيات أبو العلاء المعري العراقي – السوري (973- 1057 م) شاعر المحبسيْن محْبس العمى المبكر (في الرابعة من عمره مصاباً بالجدري) ومحبْس العزلة، حتى رحيله عن 84  سنة، في الدار مستغْرِقاً في التأمل الرحْب في أمور الحياة الدنيا والآخرة موزِّعاً التأملات نثراً بين (اللزوميات) و (رسالة الغفران) بعد (سقْط الزند) شِعراً، أستحضر كإهداء لكتابي الجديد هذيْن البيتيْن من الشِعْر له عسى ولعل يتأمل في معاني كلماتهما بعض الذين آل إليهم الحُكْم أو أُولو إليه في الأمتيْن العربية والإسلامية المكتويتيْن بالثورات الإنقلابية على أنواعها فما عادوا يتبصرون ويتعظون. وفي التأمل ما يخفِّف مِن غلواء البغضاء.

وقبل أحدث كتابيْن (الكُرْدي المخذول) و (هكذا حالي وأحوال العراق) كانت الدار الناشرة إياها نشرت كتاب حياتي، إذا جاز القول، وتحت عنوان  (هذا نصيبي من الدنيا. سيرة حياة ومسيرة قلم) وهو يجمع بين السيرة الذاتية والتجربة الصحافية وكذلك تجربة النشر إلى جانب التأليف. ولقد أكرمني ثلاثة من الأصدقاء بأنهم أثْروا الكتاب بصفحات تجمع بين التقديم والتقييم كل من موقعه وتجربته: رئيس الحكومة اللبنانية السابق الدكتور سليم الحص. طلال سلمان ناشر صحيفة  (السفير). فرنسوا عقل رفيق رحلتي على مدى ربع قرن في صحيفة  (النهار). وبالنسبة إلى الإهداء الذي يتوج كتاب التجربة هذا كان الأمر على درجة من التأمل. فالمألوف هو أن يكون الإهداء إلى الوالديْن أو الزوجة أو العائلة الشخصية. لكن تجربتي وعلى ما يوجزه عنوان الكتاب  )هذا نصيبي من الدنيا. سيرة حياة ومسيرة قلم( يستوجب الكلمات التي تعكس جوهر الفكرة. ومن هنا جاء الإهداء بالنص الآتي:

قال رسول الله (ص): إغتنم خمساً قبل خمس:شبَابَك قبْل هَرَمك. وصَحَتك قبْل سَقَمِك. وغناك قبْل فقرِك. وفراغَك قبْل شُغلك. وحياتك قبْل موتِك.

إلى الذين لم يقرأوا بعد هذه الحكمة الرسولية ليتهم يقرأون.. وإلى الذين سُعِدوا بقراءتها ليتهم يعيدون القراءة.. وإلى هؤلاء وأولئك ليتهم يضعون هذه الحكمة في  إطار يتصدر خير مكان في البيت وفي المكتب…

فضلاً عن أنني كنتُ عندما أصدرتُ كتاب  )حكيم الثورة. سيرة جورج حبش ونضاله( وهو أول عمل شاق لي في تأليف كتاب عن السيرة الذاتية والتجربة النضالية لأحد أبرز رموز القضية الفلسطينية، فإن الإهداء كان لزوجتي كونها ساهمت في إنجاز العمل وكان بالنص الآتي:

إلى زوجتي إبنة يافا، إمتثال، شريكتي في حياتي وطموحاتي وشريكتي في إنجاز هذا العمل منذ أن بدأ كفكرة وحتى صدوره ككتاب،

إلى كل فلسطيني إستشهد من أجل فلسطين، أو صمد أمام عذاب الأسر والإعتقال،

وإلى كل يتيم أو يتيمة يكتوي مثل سائر أهل فلسطين بالناريْن: نار الإحتلال ونار الإنقسامات بين أبناء القضية الواحدة.

 كما أن الدكتور الأكاديمي خليل أحمد خليل أستاذ علم إجتماع المعرفة في الجامعة اللبنانية وصاحب مؤلفات في التنوير القومي والفكر الإسلامي، كان وثَّق تجربتي الإعلامية في جزئيْن من ألف صفحة أصدرتهما  )المؤسسة العربية للدراسات والنشر( وبعنوان  )هموم العرب حكاماً ومحكومين  1963-2003 . نصوص مختارة كنموذج للصحافة العربية العقلانية الوطنية الليبرالية من كُتب وكتابات فؤاد مطر في  (النهار) و (الأهرام)  و(المستقبل) و (التضامن) و(الشرق الأوسط) و(اللواء). وبعدما أنجز إعداد الكتاب بجزئيْه وبهدف أن يكون أحد المراجع لكثيرين من طلابه في الجامعة عند إعداد رسائل الدكتوراه، إتصل بي ليقول إنه يرى أن من حقي كتابة الإهداء وهكذا جاء مزيجاً من كلمات تتوزع بين الشخصي (العائلة والأبناء) والعام (زملاء المهنة والتأليف) وبالنص الآتي:

إلى عائلتي الصغيرة زوجتي وأولادي..

… وإلى عائلتي الصحافية وكل زميل في دنيانا العربية الواسعة شاءت الأقدار أن يمتشق القلم ويقضي عمره في غياهب مهنة البحث عن المتاعب متحملاً، على نحو ما تحمَّلتُ طوال أربعة عقود، هموم الحكام والمحكومين العرب من المحيط إلى الخليج…

عسى ولعل يجد زملاء الألفية الثالثة في تجربة أحد زملاء الثلث الأخير من الألفية الثانية ما من شأنه أن يفيد ويعقلن ويصحح…

متمنياً أن يتقبَّل مَن أصابتهم خلال هذا العمر مِن كتاباتي سواء في بعض المنابر الصحافية العربية، أو مقابلات إذاعية وتلفزيونية، أو في الكتب التي كان دائماً هاجسي عند تأليفها أن أكون متجرداً وأميناً وموضوعياً، شظايا نقد تَجاوزَ المرارة إلى إعتباره إساءة، أن يغفروا لي ما إعتبرْتُه مجرد إجتهادات وما رأى فيه البعض أنه خدوش متعمَّدة… وهو ما لم أقصده على الإطلاق.

وفي كتابي المعنون  (إستنطاق حكام عرب. الوراثة المتعسرة لعبد الناصر) وتحديداً من جانب معمَّر القذَّافي وصدَّام حسين وجعفر نميري، فإن الإهداء كان بالنص الآتي:

إلى أرواح: جمال عبدالناصر. آية الله الخميني. أنور السادات. حافظ الأسد. صدَّام حسين. معمَّر القذَّافي. جعفر نميري. سبعة من القادة المسلمين في الألفية الثانية عصفت سياساتهم وأحلامهم بالأمتيْن فكادت تجعلها كعصف مأكول. وها هي الأحوال منذ 5 يونيو 1967 وعلى إمتداد نصف قرن تشهد على ذلك. وحيث أن هؤلاء القادة السبعة دفعوا الثمن الأكثر قساوة بين أثمان الدنيا، إلاَّ أن حساب الآخرة هو الأساس حيث ينال كل منهم من رب العالمين مثقال ذرة عن خير أداه في سنوات سلطانه ومثقال ذرة عن شر نتج عن سياسته في حق البلاد والعباد.  ولو أنهم أعادوا وهم يمارسون السلطة قراءة الحديث القدسي (يا عبادي إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أُوفيكم إياها فمَن وجد خيراً فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلاَّ نفسه) لكانوا غادروا الدنيا أكثر طمأنينة.

رحمة القادر المانع المُعِز المُذِل… الذي يمهل ولا يهمل، عليهم.

وفي كتابي المعنون  (حرب وديمقراطية . دليل العرب إلى اللغز اللبناني) كان الإهداء بالنص الآتي:

في تاريخ الإستقلال اللبناني الذي ينتقل من إنتكاسة إلى إستباحة، رجال دولة عاشوا حراساً لإستقلال لبنان؛ هذا الوطن المحسود. وبعدما غادروا الدنيا، وفاةً طبيعية أو إستشهاداً، بات الوطن أكثر عرضة للطامعين وسيبقى إلى أن ينضج الجيل الثاني الذي يقتبس من الذين رحلوا فَرادة مبدئيتهم وحِرْصهم وتفانيهم من أجْل أن يكون لبنان وطن العيش المشترك حراً سيداً ديمقراطياً. ومِن هؤلاء الغائبين الحاضرين: الشهداء رياض الصلح، رشيد كرامي، رفيق الحريري، كمال جنبلاط، الإمام السيد موسى الصدر، الشيخ بشير الجميّل، والراحلون: إميل البستاني الذي ثُراه بحر بيروت والشيخ بشارة الخوري الذي فاضت روحه في منزله في الكسليك على ضفاف بحر بيروت والعميد ريمون إده الذي رحل في غربته الباريسية القسرية.

إلى أرواح هؤلاء، أهدي كتابي مع الدعاء إلى رب العالمين أن يحيطهم برحمته.

وفي كتابي المعنون   (التضامن العربي ذلك المستحيل. محاضر ووثائق لقاءات رسمية على مستوى القمة) والذي يكشف المستور عن المحاولة اليتيمة لجمْع الصف العربي الذي مزَّقه السادات للمرة الأُولى شر تمزيق وكيف يفكر أهل القرار عند خروج أحدهم على القضة كان الإهداء بالنص الآتي:

إلى الرأي العام العربي من المحيط إلى الخليج وحيث حط الرجال في ديار الله الواسعة مهاجراً أو مهجَّراً أو مهجوراً.. وهو يبقى سيد الموقف وهو الذي يبدو دائماً أكثر تضامنا من أُولي الأمر… الملوك والرؤساء.

لعلني من خلال إستحضار هذه الإهداءات أوضحتُ ما أرادتْه (الزمان) وزملاء ومسؤولون عرب كثيرون من غرضي بإعتمادي هذا المنحى من الإهداء أُتوِّج به كل كتاب جديد لي. بل إذا جاز القول إن الإهداء هو جوهر فكرة كل كتاب أصدرْته حتى الآن. هذا إلى نوعية   الفهرسة ذلك أنني لا أكتفي فقط بوضع عناوين كل فصل ورقم صفحة بدايته على نحو المألوف والتقليدي في الفهرسة وإنما أضع إلى جانب الفصل عناوين بأقل إيجاز لمضامين النص، وبذلك أساعد القارىء على أن يعرف ما في الكتاب وما يهمه التوقف عنده وليس إنتظار قراءة كل  الكتاب ليعرف ما فيه وما يهدف إليه مؤلفه. ثم إن الكتاب ليس فيلماً سينمائياً لكي يطيب للمشاهد عدم معرفة النهاية لمجرد أن رأى بداية العرض وينتظر بفارغ الصبر المشاهد الأخيرة من الشريط. إن الكتاب عبارة عن عالم رحب من واجب المؤلف وضْع دليل لمضمونه وهذا هو الهدف من الأسلوب الذي وجدتُ أنني به أُفيد قارئي.

{ هل يدخل كتاب (الكردي المخذول) في خانة الرواية السياسية ام باب السرد الروائي؟

– بالعودة إلى كتابي الجديد  (الكُرْدي المخذول) الذي إرتأيتُ أن يكون صيغة تجمع بين الرواية السياسية والسرد الروائي بغرض تشويق الموضوع إلى القارىء، لاحظتُ أن النخبة السياسية والفكرية في العالم العربي حريصة الوقوف على الموضوع الكُرْدي قدْر حِرْصها على متابعة تطورات الموضوع الفلسطيني وتداعياته، لا سيما وأن العقود الخمسة الماضية خلت من أي إضاءة على هذا الموضوع فضلاً عن أن إخواننا الكُرْد إنشغلوا إما بصراع متعدد الحدة والتناقض مع النظام في العراق وإما بمناكفات في ما بينهم أنتجت إنقساماً حاداً إستغلته أطراف إقليمية ودولية ووظَّفتْه في  (أجندة) إشعال منطقة الشرق الأوسط أزمات إنتهت أحياناً إلى حروب أهلية وحرب دولية كتلك التي واجهها العراق.

وعندما (على سبيل المثال) تخصص  (الأهرام) كبرى صحف العالم العربي صفحة كاملة (عدد السبت 28 نيسان / أبريل 2018)  لمقالة تعرُض في غاية الرقي، للكتاب بقلم الكاتبة المصرية المتألقة سناء البيسي، وكذلك رؤية ناقدة كتبها المحلل السياسي المقتدر  (الأهرامي) وحيد عبد المجيد وشهادة في صحيفة  (الشرق الأوسط) بقلم الكاتب السياسي المتألق سمير عطاالله  فهذا مؤشر إلى أن الموضوع الكُرْدي على درجة من الأهمية، وأن الرأي العام العربي السياسي والمواطن المسيَّس مهتم بمعرفة ما يدور في الفلك الكُرْدي من تطورات.

وكتابي في أي حال كان الأول الذي يضيء على واقع الحال الكُرْدي الراهن في العراق إلاَّ أنه سيكون في تقديري فاتحة إهتمامات معمقة من كثيرين كُرْداً وعرباً يرفدون وسائل الإعلام الورقية بالكتابات والتحليلات من دون أن يكون الإعلام الإلكتروني العربي والكُرْدي الذي حفل بالكثير من التعليقات حول كتابي هو الكافي.

{ ارسلت نسخة من كتابك الجديد الى رئيس الجمهورية فؤاد معصوم.. هل في نيتك ايصال رسالة ما عبره؟

– من الواجب أن أضع الكتاب مرفقاً بإهداء مع التوقيع إلى الرموز الثلاثة في الأزمة الكُرْدية بدءاً بالدكتور فؤاد معصوم رئيس جمهورية العراق بجناحيْه العربي والكُرْدي وسائر أطياف الشعب العراقي العزيز من تركمان ومسيحيين، كما شمل تقديم الكتاب كلاً من الرئيس مسعود بارزاني ورئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني. ويعز على نفسي كثيراً أن الصديق الرئيس جلال طالباني في ذمة الله وبالتالي فإن النسخة الخاصة به سأسلِّمها إلى السيدة هيرو إبراهيم أحمد زوجة الزعيم الراحل في حال تيسرت الأمور وقمتُ بزيارة إلى أربيل والسليمانية ودهوك حيث أن الدار الناشرة للكتاب إقترحت أن يصار إلى إقامة حفل توقيع في أربيل للكتاب وبذلك يتيسر إطلاع إخواننا الكُرْد بكافة أطيافهم على العمل الذي يوثق مرحلة خاطفة ثم أُمنية مخطوفة بالغة الأهمية من تطلعاتهم نحو إستكمال السيادة وعلى مبدأ الإقتناع المتبادَل وتقديم التنازلات التي لا تنعكس إستهانة بالكرامات الوطنية والشخصية.

وإستكمالاً لما جاء في السؤال فإن للدكتور فؤاد معصوم مكانة خاصة في نفسي من دون أن ألتقي به بعد. فقد كان حراكه التوفيقي أثناء أزمة الإستفتاء قبل وبعد أمراً يستوقف المرء مثل حالي ككاتب ومحلل سياسي يتابع على مدى عقديْن واقع الحال العراقي ووقائع أزمات متواصلة عاشها. وفي ما يتعلق بالأزمة الكُرْدية فإن الدكتور معصوم كان مزدوج الفؤاد بمعنى القلب وليس إسم الكلمة فقط. نصف قلبه (الأُذيْن) مع الوطن الحاضن للجميع ونصفه الثاني (البُطيْن) مع حُلُم دفين لدى بني قومه يتمنى مثل أي فرد منهم حصوله وإنما بالتروي وبحيث لا يتعدى الأمر الهجر، لأن الطلاق سيؤسس لعداوة تليها إحترابات، فالمجتمع عشائر وأفخاذ وحالات عالقة، والوطن بالخصوصية التي هو عليها سيد هؤلاء القوم جميعاً. والذي في الموقع المتقدم رئيساً للدولة ينوب عن الوطن السيد في بذْل السعي إذا إستعصى إتخاذ الإجراء، والتوفيق بين الشمل على كلمة سواء في ساعة إحتدام التباين في الرؤى والمواقف. وهذا لاحظْته رصداً دقيقاً في الحراك المعصومي وأكبرتُ فيه هذا السعي الذي بذله وفي الوقت نفسه متصوراً مدى ما في صدره من الألم لأن الإندفاع كان يتقدم على التروي. كما إستوقفتني سعة صدر الرئيس حيدر العبادي ومبدئية السيد مقتدى الصدر ومثابرة إياد علاوي نائب رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان سليم الجبوري.

لجنة حكماء

وإذا أجيز لي أن أقترح فإنني أتمنى كعربي محزون مما إفتُعل بالعراق قبل أزمة الإستفتاء وخلالها، أن يقود الرئيس فؤاد معصوم تجربة لجنة حكماء عربية – كُرْدية تضع من جديد الحالة على بساط التأمل وتعمل جاهدة من أجل ترويض الإنفعالات وتُداوي بالأفكار الواقعية ندوب تداعيات عملية الإستفتاء وما رافقها من إغراءات  منقوصة النوايا الحسنة فإنتهت خذلاناً. وعندما أقترح لجنة عربية – كُرْدية فإنني أعني أن تضم شخصيات عربية من العراق وغيره من الدول العربية. لجنة حكماء كتلك التي كان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمة الله عليه يعوِّل عليها وجَعَل من أعضائها الذين يمثلون معظم الدول العربية أواخر الأربعينيات من القرن العشرين مستشارين غير رسميين بمعنى الوظيفة له. ولقد أثمرت تلك الصيغة وحققت للملك رؤية أكثر وضوحاً لأحوال المنطقة والعالم.

{ قبل كتابك (الكردي المخذول) اصدرت كتاب (هكذا حالي واحوال العراق – ساعات طويلة من الحوارات الصريحة مع صدام حسين).. هل هي مصادفة ام انه توقيت مدروس؟

– على مدى السنتيْن الماضيتْن 2016-2017  تزايدت الإهتمامات العربية والإقليمية والدولية في الشأن العراقي وذلك لأن إعادات نظر متقطعة في المواقف والرؤى بدأت تحدُث لدى أهل الحُكْم والأطياف ذات التأثير في صناعة القرار من دون أن تكون شريكة في السلطة. ولعل أبرز إعادة نظر إكتسبت الجدية والثقة بالنفس كانت الإنفتاح بالتدرج على الأشقاء العرب ودول العالم عموماً وبما من شأنه إستعادة الحضور الفاعل للعراق في القرار العربي والقرار الإقليمي. وعند التأمل في زيارات كثيرة تمت وعبارات ودية كثيرة قيلت وخطوات تفعيلية أخذت طريقها إلى التثبيت بالتدرج يتأكد لنا أمر في منتهى الأهمية وهو أن تعديلاً لمصلحة مبدأ التوازن في العلاقات العراقية مع الأشقاء العرب ومع الدول الإسلامية ودول العالم، حدث عن إقتناع.

وسط هذه المستجدات وبعدما كان الحُكْم العراقي خرج من المواجهة القاسية ضد الإرهاب ليبدأ بالمشروع الأهم وهو إعادة ما تم تدميره وجمْع ما تم تفريق شمله إجتماعياً وسياسياً، لاحظتُ كما الكثيرين من المهتمين ككُتَّاب وإعلاميين عرباً وأجانب أن الأجيال الشابة وبالذات الدارسين في الجامعات والدبلوماسيين الجدد، وجُل هؤلاء من الشباب بين العشرين والثلاثين يتطلعون إلى الوقوف على طبيعة النهج السياسي الذي إعتمده الحكم السابق وكيف كان يدير شؤون الدولة الممسك بكل مفاصلها، وكيف كانت العلاقات على مدى عقديْن من الزمن بين العراق المحكوم بالحزب الواحد(حزب البعث العربي الإشتراكي) والدول العربية ودول العالم عموماً. هنا أشير إلى أن فرصة أتيحت لي عام 1979- 1980 لإجراء حوارات صريحة مع رئيس العراق صدَّام حسين، وجاءت بعد تجربة حوارات غر مسبوقة من حيث المدة التي إستغرقتْها الحوارات بين 20 و30 ساعة توزعت على أيام متقطعة سبَبُها ظروف الذين حاورتُهم (مع الأستاذ محمد حسنين هيكل عن سنوات حُكْم عبد الناصر ومع الدكتور جورج حبش الذي لم يحدث أن روى سيرة حياته ونضاله من أجل فلسطين ومع الرئيس السوداني جعفر نميري الذي أجاب في جلسات الحوار المطولة والصريحة معه عن سنوات حُكمْه بحلوها ومُرِها). وجميع هذه الحوارات أصدرتْها دُور نشْر في لبنان ومصر والعراق وفرنسا وبريطانيا.

كان المهتمون بالشأن العراقي ماضياً ربطاً بحاضرها الذين إتصلوا بي من الشرائح التي أشرتُ إليها(طلاب جامعات ودبلوماسيون عرب وأجانب وباحثون) كانوا بالعشرات. وبالنسبة إلى الأجانب من دبلوماسيين وعاملين في شركات في دول الخليج فإن هؤلاء كانوا إطَّلعوا على خلاصات عن كتابات تحليلية لي حول الشأن العراقي في صحيفة (الشرق الأوسط) كما إستوقفتْهم خلاصة حول تلك الحوارات التي أجريتها مع الرئيس صدَّام حسين، ذلك أن كتاباً أصدرتْه دار نشر أميركية بعد أشهر قليلة من إسقاط النظام وكانت الحوارات نصاً بعد ترجمتها إلى الإنكليزية هي القسم الأول من الكتاب، تلي ذلك نصوص كتابات لآخرين عرفوا صدَّام كما لم يعرفه كثيرون، من بينهم مؤسس (حزب البعث) الأستاذ ميشال عفلق.

حوارات طويلة

في ضوء ما اشرتُ إليه بالنسبة إلى المتصلين المهتمين بعد الذي تابعوه من خلال خلاصة في مواقع إلكترونية عن تلك الحوارات التي هي الأطول والأكثر عمقاً في التناول فإن (الدار العربية للعلوم) في بيروت ناشرة معظم مؤلفاتي رأت أن تنشر النصوص الكاملة لتلك الحوارات في كتاب واحد وباللغات الثلاث العربية والإنكليزية وكذلك الفرنسية كون الحوارات كانت جزءاً من كتاب حول السيرة الذاتية والحزبية لصدَّام حسين. وهكذا صدر الكتاب غير المألوف إلى حد ما لأنه مثلث اللغات الأكثر تداولاً في العالم.

وتبقى الإشارة إلى أن العمل الذي أشير إليه تم في العام 1980 الذي طرح الرئيس صدَّام حسين يوم 8 فبراير/ شباط (الإعلان القومي) الذي لقي في نفوس أبناء الأمة إرتياحاً ملحوظاً كونه في جوهر مفردات مبادئه الثمانية يرى أن التعاون بين الأشقاء العرب مع إحترام الخصوصية خيار يتقدم على الوحدة التي هي الإقنيم الأول في عقيدة الحزب الحاكم. لكن الإرتياح الذي نشير إليه ما لبث أن تحوَّل إلى فِعْلٍ صادِم نتيجة الغزوة الصدَّامية للكويت يوم الخميس 2 أغسطس/ آب 1990 خلافاً لما ينص عليه المبدأ الثاني في الإعلان (تحريم اللجوء إلى إستخدام القوات المسلحة مِن قِبَل أي دولة عربية ضد أي دولة عربية أُخرى… ). وبصرف النظر عما إذا كان الفِعْل الصدَّامي جاء نتيجة لظروف إقتصادية ونفطية ناشئة عن تداعيات الحرب مع إيران أو إن الرئيس صدَّام إستُدرج إلى ذلك الفعل من جانب الإدارة الأميركية في شخص السفيرة إبريل غلاسبي، فإن مصداقية الرئيس صدَّام إهتزت وتركت الغزوة للكويت والتحرش الكلامي والصاروخي بالسعودية ندوباً دفع العراق ثمناً باهظاً لم يكتمل فصولاً.

وأما بالنسبة إلى الحالة الكُرْدية العالقة فإن (الإعلان القومي) لم يتوقف عندها. لكن ذلك لا يعني أنها لم تكن زمنذاك جزءاً من هموم صدَّام حسين وإهتماماته. وهو في إحدى جلسات الحوار الأكثر صراحة معه قال لي (إننا لا نرى أي تعارُض بين الحُكْم الذاتي الذي يريده شعبنا الكُرْدي وبين نضالنا القومي وإقامة الوحدة العربية. وعلى أساس هذه المبادىء فإن المحافظة على خصوصية شعبنا الكُرْدي في الحُكْم الذاتي تُوفر فرصاً أوسع أمام النضال القومي وإقامة الوحدة العربية بين العراق وأي قُطْر عربي آخر، وإذا أحس شعبنا الكُرْدي أن خصوصية (الحُكْم الذاتي) تُقتل في العمومية التي هي الوحدة العربية فسوف يقف ضد العمومية حتى إذا كان في منهجها ما يحقق مصالحه المبدئية الأُخرى… ).

{ بعض السياسيين العرب يزعمون ان الاكراد لم يتعلموا من دروس الماضي.. هل تتفق معهم بهذا الوصف؟

– القول بأن الأكراد لم يتعلموا من دروس الماضي ليس دقيقاً. ذلك أن الحالة الكُرْدية هي سلسلة تجارب تمتزج فيها المعاناة بالأحلام، وبصرف النظر عما إذا كانت هذه الأحلام كما أحلام النيامى تتلاشى عندما يستيقظون، أو إنها ستتحول إلى كوابيس. لو سلَّمْنا بأن محاولة مسعود بارزاني لم تأخذ في الإعتبار ما جرى لوالده الملا مصطفى فهذا معناه أن الحُلْم الكُرْدي إنتهى برحيل الملا مصطفى كما أن حُلم الدولة الفلسطينية إنتهى برحيل ياسر عرفات. إنني لا أرى في المدى القصير إمكانية لتجديد السعي لتحويل الحُكْم الذاتي إلى دولة مستقلة ولكن المحاولة ستحدُث في ضوء تبدُّل جذري في المعادلات الدولية  – الإقليمية.

{ ما هي توقعاتك بشأن الوضع الكردي بعد انتخابات 12 ايار الجاري؟

– ما نراه يحدث الآن في العراق عبارة عن تباشير حالة من النهوض وإعادة نظر في الكثير من الرؤى فضلاً عن صياغة معادلة جديدة تستبدل مفهوم المواطَنة العصبية بالمواطَنة الواقعية. ومن شأن هذا النهوض وتلك الإعادة أن تتلاشى بالتدرج ظاهرة الرأي الحاد ويحل محله التشاور وعلى قاعدة بالتي هي أبقى وأكثر ضمانة وطمأنينة وكذلك حجْب أي مشاعر عدائية.في هذا الصدد أرى أن يجاري إخواننا في إقليم كُرْدستان حالة النهوض وإعادة النظر التي سينتهي إليها الأمر في العراق بعد الإنتخابات وبعد صياغة العلاقة الثابتة مع الأشقاء العرب والجيران ودول العالم. ومن شأن حكومة تتبنى مثل هذه الصياغة تحقيق ذلك في فترة زمنية قصــــــــيرة.

{ وما رأيك كمراقب ومحلل سياسي بشأن العلاقة المستقبلية بين بغداد واربيل في السنوات المقبلة؟

– في كتابي المعنون (الكُرْدي المخذول) بضع صفحات تمنيتُ فيها أن يأخذ إخواننا في إقليم كُرْدستان العراق بالصيغة التي إختارها شعب إمارة موناكو، أو فلنقل إختاروها له، لكن الشعب أخذ بها ويتمسك بها ما دامت تحقق له  الأمن والإزدهار.

وما زلتُ أرى صوابية هذه الصيغة كي لا يصيب الشعب العراقي الكُرْدي ما أصاب الشعب السوداني الجنوبي. فقد صار له دولة لكن الإقتتال لا يتوقف والفوضى تشتد والعناد سيد الموقف ولا إزدهار..  كما لا أمل يرتجى حتى إشعار آخر.

 

عدد المشـاهدات 43   تاريخ الإضافـة 14/05/2018   رقم المحتوى 19875
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الجمعة 2018/5/25   توقيـت بغداد
تابعنا على