00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  رؤى مقّترحة من أجل تطوير الأهوار (1)

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

رؤى مقّترحة من أجل تطوير الأهوار (1)

 

 

نعيم عبد مهلهل

 

تسكن أهوار العراق في روح جغرافية بلاد الرافدين منذ أيام الطوفان وحتى اليوم . وتعد السكن الأزلي لأناس تعلموا من دهشة تلك البيئة أن يتحملوا سحرها وقسوتها وما تحمله غيبيات أساطير المكان وخرافه وما يدره الماء من خير وفير وما تمنحه اليابسة على قلتها من غلة كبيرة ، لهذا عاش الناس في هذا المكان مقتنعين بتلك القدرية العجيبة التي سكنت أحلامهم وجعلتهم يألفون المكان ولا يرغبوا بتبديله بأجمل مراعي وحدائق العالم .فكما في الألواح السومرية تذكر هذه الأماكن المغمورة بالماء بأنها جنائن عدن والفردوس الأرضي الذي يهيئ دفئه وجمال طبيعته للأمكنة القصية في فراديس العلا.

 

وكانت المدونات والأساطير تجد في هذا المكان مادة خصبة لتحليق الذاكرة البشرية في الإبداع لتظهر مرقونة على ألواح الطين القصائد والتعاويذ والأناشيد والمسلات . وربما قصة الطوفان التي اكتشفت في أطلال الأثر في حفريات القرن العشرين في سومر وبابل ومناطق الأخرى خير دليل على أهمية تلك الأماكن في صناعة وإعلاء الصرح الحضاري لمجد بلاد الرافدين التي كانت المكان الأزلي لولادة المعرفة والفنون والشرائع الأولى.

 

كتبت عن الأهوار كثيرا .أنجزت أربعة كتب وسيناريو سينمائي واحد وساهمت في تأسيس مجلة اسمها الأهوار أصدرت منها عددين في دمشق وتوقفت بسبب سفري خارج البلاد .

 

كنت دائم التطلع لدفع الحياة في الأهوار إلى أفاق أرحب . اتصلت بالوزارات المعنية وتحدثت مع منظمة اليونسكو والمخرج العراقي الكبير قاسم حول .وتذاكرت مرارا مع وزير الموارد المائية حول المكان وطبيعته وسبل تطويره .وبكفاح وصبر استطعت أن أحقق انجازا كتابيا جيدا في سبيل هذا المكان الذي تشعرني الولادة فيه أن الانتماء إليه يزيدني شعورا بالمحبة والالتصاق بواحدة من أجمل جهات الله . وكتبت كتابا ومشروعا يخص تطوير الدور التربوي لوزارة التربية في مناطق الاهوار في عهد وزارة السيد خضير الخزاعي .وطبعت كتابا في دمشق عام 2007 لهذا الغرض بألفي نسخة وتبرعت بهما الى الوزارة .

 

أرض الانبياء

 

كنت دائما أشعر أن الجنوب تلك الجهة الموقرة التي كانت أكثر جهات الأرض شرفا في إنجاب الأنبياء والقديسين والشهداء وأحلام الآلهة والشهداء والشعراء وصانعي مجد الرغيف الجائع وكٌتاب  الأناشيد المكتوبة على ألواح الأساطير ورقم الطين والأبراج والمعابد .

 

أنه الشعور بالفخر ليسكن أي إنسان يحس أنه وهب المكان الذي ينتمي إليه مايستحق أن يوهب له وبالمقدار الذي يستطيع أن يقدمه حتى لو كسرة خبز.أو بيت شعر أو قصبة تجتمع مع قصبات أخرى لتصنع جبيشة تأوي حلم المعيدي حين يعود متعبا مع قطيع جواميسه من قيلولات ظهاري الماء والشمس وانتظار فجر حلبها لتنزل النساء إلى المدينة معطرات بالوشم والمناداة بوصول القيمر طازجا إلى صباح المدينة ولكن مع هذا يشعره الفخر ان ولده بأستطاعته الذهاب الى المدرسة والتعلم فيها بعد ان اشرت الكثير من الدراسات المجتمعية والانثروبولوجية والاستشراقية ان اطفال تلك المناطق يتميزون بذكاء حاد ونباهة كبيرة .ولا عجب في ذلك مادام هؤلاء هم سليلي اول الحضارات الانسانية والبشرية وحيث ولد الحرف فيها وابتدأ التأريخ منها كما يقول العلامة الاثاري ( صومئيل كرمر ) في كتابه المهم الواح سومر. .

 

أتألم كثيرا وأحلم كثيرا وأتطلع أن تحظى هذه الأماكن بعناية ورعاية وحنان وأن تجد من يخلصها من أسى أعوام الحروب والتجفيف والإهمال والأهوال الذي ذاقها سكان الأهوار عبر عصور من النسيان .

 

أتخيل يدا أممية وأخرى وطنية ترتبط بثلاثة جهات رسمية هي وزارة التربية / وزارة الموارد المائية ، وزارة الصحة ، وزارة الكهرباء أن تحفظ للمكان خصوصيته وتاريخيته وأخرى وطنية تعمر فيه بهاء روحه المتألمة من وجع الملح والعطش والجفاف.

 

اسطورة التحدي

 

أعتقد أن المكان وجماله وأتساع مدى المسطحات التي فيه أضافت إلى الثروة الطبيعية ،الحيوانية منها والنباتية والدفء الدائم أعطى للمكان خصوصية أن يتعلق فيه الإنسان الأول ويضيف إليه الكثير من الهالات المؤسطرة والحقيقية ولتجعله مكاناً مقدساً ينظر إليه بكثير من الرهبة والتأمل والتطلع ، ولهذا كانت أدبيات وأساطير الإنسان الأول تبني موضوعاتها على هذه المكونات ، كما في حلم الملك كوديا الذي يعد أول الأحلام التي كان فيها مؤشر الأمر يراد فيه خدمة الآخرين كما في أشارة التبليغ السماوي للأنبياء والرسل عندما حلم بأمر الآلهة بأن يذهب إلى عمق الأهوار ليجلب القصب ويبني معبداً لها.

 

وفي أسطورة التحدي الأولى التي أراد فيها الإنسان أن يصبح نداً لآلهة الفردوس وهي أسطورة آدابا ، الذي كان صيادا للسمك ، وهي واحدة من أهم وأشهر مهن سكان الأهوار ، وهذا يعني إن آدابا كان رجلا اهوارياً ،ورؤى تخيل الفردوس ورغبته فيه سكنته قبل غيره من سكان البيئات الأخرى في وادي الرافدين ، حيث لم تذكر لنا الأدبيات القادمة من آشور وبابل عن هاجس البحث عن الخلود سوى ما نقلوه هم وورثوه من الآداب السومرية التي عاشت سلالاتها في عمق الأهوار وعلى ضفافه ، والكثير من الجداريات ترينا طبيعة ما كان موجوداً ويعاش في هذه البيئة من صور ونحوت لأسراب الطيور والسمك والعربات التي تجرها الجواميس وبيوت القصب ، حتى اكتشف علمياً أن شكل المضيف العربي الذي يبنى في الأهوار من مادة القصب والمتميز في بوابته وشكله المحدودب ما هو إلا شكلاً متوارثا ًمن بيوت أهل الأهوار من السومريين الذين كانوا يعيشون هناك ويتخيلون فراديسهم وحياتهم مثلما تعكسها عليهم رؤى الطبيعة وبيئتها وليظل هذا الفردوس واحدا من صفات التشبث في المكان والالتصاق فيه بالرغم من الظروف القاهرة التي عاشها أبناء هذه المناطق بدءاً من الغزوات الأجنبية التي قادها الفرس والعثمانيين والانكليز وانتهاء بمؤثرات الحروب الحديثة ومشاريع التجفيف ودفع سكان هذه المناطق للهجرة والابتعاد عن موطن سكناهم ، فكانت هذه العملية كمن يخرج السمكة من شاطئها ويريد لها أن تعيش بعيداً عنه . 

 

غير أن المكان وكما عهدته التواريخ ظل مرتبطاً بذاته البشرية والجغرافية ، وعاش رغم ظمأ الأنهر والسواقي في ممكن الحياة البسيطة وتحولت تلك المسطحات إلى مشاريع لزراعة موسمية للحنطة والشعير لم يكتب لها النجاح في الكثير من مفاصلها ، واختفت بـــــــــــشكل تدريجـــــــــي تلك ( الأيشنات ) التي كانت تشكل مجتمعات سكانية صغيرة داخل المياه ، فيما اختفت بعض أزليات الطبيعة التي كانت تشهد مواسم تجمعات الطير القادم من أمكنة بعيدة حيث مثلت الأهوار مشاتي آمنة للكثير من طيور المناطق الأوربية الباردة مثل الآوز والسنونو وبعضها يأتي بهجرات منتظمة من الصين ومناطق جنوب شرق آسيا مثل البط والحذاف والكراكي ودجاج الماء وغيره .  هذا المفترض كما في الأخيلة العراقية القديمة اشتغلت عليه ومنذ سنوات الكثير من الأفكار والخطط والمشاريع والمزايدات ، وظهرت على هامش المكان الكثير من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات والتجمعات البيئية والشعبية ، تدافع عن المكان وخاصيته وضرورة تطويره وعقدت عشرات المؤتمرات والندوات ، وصارت لافتة أحياء بيئة الأهوار لافتة عريضة لمن يحب المكان ويحرص بنفس غيور ووطني على تقديم المقترحات والعون والكشوفات ، وآخرون يريدونه واجهة للكسب والإثراء والإيفاد ، وبدأ الصراع الخفي بين المؤسسات الحكومية المسئولة عن تطوير المكان وبين جهات أخرى لها الكثير من المصالح والأجندات تجاه المكان ومنها أجندات حزبية وأخرى عشائرية وربما هناك من يحاول التأثير في المكان حتى من خارج الحدود ، وكان دائما يقال أن الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو ومنظمات عالمية أخرى كانت تسعى قبل تغير النظام إلى إعادة المكان إلى سابق عصره ، ولكنها اليوم لاتفعل شيئاً سوى بعض الخطوات الصغيرة على شكل مؤتمر سنوي أو نداء أو خطط مستقبلية ، وربما وزارة الموارد المائية وحدها من يتحمل العــــــــبء الأكبر في محاولتها لأعمار المكان وتطويره، لكنها أيضا تعمل في حدود إمكانية موازنة خطة أعمار الأهوار وهذه الموازنة معرضـــــــــــة للكثير من ضـــــــــــــــغوط الفساد الإداري وضعف كفاءة المقاول والمنـــــــــــــفذ والضغوط الأخرى التي تتعرض لها من جهات حزبيـــــــــــة وعشائرية وغيرها.

 

وكنت في أكثر من مناسبة قد تحدثت وحاورت الســــــــــيد وزير الموارد المائية وبعـــــــــــــض المهتمين في هذا الجانب  أملا في تحقيق ما يعزز حلمي لتأهيل المكــــــــــان وتطــــــــــويره .

 

يتبع

 

 

عدد المشـاهدات 97   تاريخ الإضافـة 25/04/2018   رقم المحتوى 19640
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الجمعة 2018/7/20   توقيـت بغداد
تابعنا على