00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  سطوة اللذة ومصداق الزمان محاورةٌ أخرى

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

سطوة اللذة ومصداق الزمان محاورةٌ أخرى

محمد رحيم مسلم

لم يكن في التقييمات المعرفية أن تكون المقاييس التي يُعتمد عليها في العلوم العامة والفنون ، خاضعةً لمفاهيم ومصاديق انطباعية بالكامل ، أو ذاتية ، نفسية بشكل خاص ، بقدر ما تنظر للمناهج والموازين الاستقرائية ، في معرفة فيما إذا كان النوع ( المُنتَج ) ــــ فكراً كان ، أم اجتماعاً ، أم أدباً وشعراً ـــــ هو يتناغم مع القارئ والمتقبل له ، أو لا .

بالمقابل فإن هذا المتلقي وبشكل تلقائي ، قد ينسجم مع مقاييس أخرى ، لها علاقة بالمنجز ، فمنها ما يتعلق بالزمان والمكان ، وآخرٌ يتعلق بنوعية هذا المنجَز ، ومدى احتوائه على المميزات والصفات ، التي يطلقها كلٌّ من : القارئ ، والمنهج العلمي ، والذي يهمنا هو عامل الزمان ، باعتباره تشكلاً أوسع وأشمل من دائرة التأريخ وغيره ، ومحتوي له .

إنّ كثيراً من الاشتغالات النقدية والتحليلية ، تعمد لمقاربات بين المنجَز ( الأدبي ، والفني ) على وجه التخصيص ، في إطار مراعاة عاملي الزمان المكان ، باعتبارهما صنوين لا يفترقان ، مبتغية في ذلك الوصول إلى نتائج ومفاهيم تُخرِج المنجَز من دائرته النشئية ، إلى مجالٍ وفضاء أوسع في التلقي ونقده ، مراعية البنيات التي منها ما يتعلق بالمُنجَز ، وآخر ما يتعلق بالمُنجِزِ له ( المتلقي ) ، وقد تُغفَل بعض العلائقيات ، كالعنوان بمفهومه العام ، والنصوص الموازية وغير ذلك . إلّا أنّ فهمَ المنجزِ في ضوء تغيّر عاملي الزمان والمكان ، قد يغفل عنه الكثيرون نقداً وتحليلاً ، فلو عرضنا قصيدة ما من قصائد المعلقات على متلقٍ لها ، فالملاحَظ أنّه قد لا يستذوق قراءتها بمثل العربي الذي كان يقرأها قبل ألف سنة أو أقل من ذلك ، فعملية التذوق قد لا تتطابق مع سابقتها ، فضلاً عن متعةٍ جديدةٍ تتولد لدى القارئ الجديد ، فمن الطبيعي أنّ ذلك وُجِدَ على أساس التغيّر لكلا الطرفين ، فالزمنُ لم يبق كما هو ، وذهنية الفرد لا تستقر بنمطيةٍ واحدة ، سلباً أم إيجاباً .

إنّ هذه السطوة قد تسحب القول إلى كثيرٍ من مناطق الاشتغال ، فليس بعيداً أن يكون مجتمعٌ كان ينظر إلى ( نص منزّل من السماء ) بدهشةٍ ، واستقرائية فلسفية ، ليصبح مجتمعاً يقرأ النص باعتيادية ذاتية ، رغم كل التنقيبات والحفريات التي أظهرت منه إعجازاً وعلماً ، فتغاير المتعة واختلافها عن ذي قبل كفترة نزل بها وحتّمت على الموجودين بضمنها أن يعيشوا دهشة لا مثيل لها .

ولا غرو أن تجد ـــ كما أسلفنا ــــ كثيراً من النصوص والنتاجات تأليفاً كانت أم تجسيداً ــــ كالتمثيل والفن التشكيلي وغير ذلك ـــــ ينتج عن متابعتها سابقاً وفي لحظات وجودها ، أو بعد مضيء عقد من الزمن ـــــ نوعاً استقرائياً مغايراً عن سابقه ، فمشاهدة فيلم مثلاً ( حافات المياه ) كان له من الأثر في النفوس ما يُتوقف عنده ، في وقت أصبح الآن لا يُعطي تلك الإمتاعية والتأملية كما هو سابقاً .

طبعاً أن هذه الاستقراءات قد لا تسر على بعض النصوص ، فلوحة الجيوكاندا أو الموناليزا ، للرائع ليوناردو ديفنشي ، لا زالت تعطي أبعاداً فنية وتصورات جديدة كلما دققوا النظر إليها ، كما أن شعر الصعاليك لا زال يُقرأ وفق معايير موضوعية جديدة ، ولو كانت قد طُبّقت مثلاً في وقت كتابتها ، لخرجوا بنتائج غير متوقعة ، أو تجد مثلاً كتاب ( نقد الشعر ) لقدامة بن جعفر ، قُرأ ولا زال يُقرأ بنفس الذوقية والوقوف أمامه باحترام شديد ، وبتأمل واستقصاء لمكنونات التأليف فيه ، أو تجد كتاب ( فن الشعر ) لأرسطو رغم تعدد الأزمنة عنه ، إلا أنّه لم تتغير متعة قراءته ومتَقَبَلاً عند تلقيه ، أو قد تجد شعر السياب مثلاً كان يُقرأ في وقته من الطالب ، والمسن ، ويسمعه حتى الكاسب وأصناف أخرى ، بحسب ما كان من ثقافة آنذاك ، إلا أنّه اليوم بات لا يُقرأ إلا من قبل فئةٍ قليلة من الذين يتذوقونه ، ويعون مسألة الشعر ، بل تجد أنّ كثيراً من المثقفين يميلون لأدب الهزل أو ( الطرفة الشعبية ) فالعامل في ذلك هو متغير الزمان الذي تعلقت به ـــ مع ظروف وأسباب أخرى ــــ ذائقية القارئ والمتلقي في فهم النص ، ويكاد ينسحب هذا الاستقراء إلى الأفلام السينمائية التي هي وإن كانت تعرض بإمكانات بسيطة ، إلا أن متعة القارئ أختلفت عنها وتختلف بعد عقد من الزمن ، فمثلا فيلم صراع الوحوش ، أو فانتازيا ، أو حتى النتاجات الدرامية العربية القديمة ، فهذه وعند مشاهدتها اليوم ، لا يحكم الزمن لصالح العمل بقدر ما يكون بجانب المتلقي ، حين لا يستشعر تلك المتعة والشوق الذي كان يشعرهما قديماً .

إن مبدأية الثابت والمتغير هنا تشتغل بمسافة أوسع من مفهومها ، فمصداق الثابت يوازي مفهوم ( النص المنتج) ــــ عملاً فنياً كان ، أم درامياً ، أدباً ، أم فكراً ـــــ إذ هو يبقى نصاً قد أُنتج في وقت ما ، ولمتلق ما ، في حين نجد أن المتغير هنا يأخذ مساحة أوسع من قبل ، فالزمن ليس الزمن الذي أُنتج به النص ، ولهذا فذوقية المتلقي ، لا تتعدى فترة محدودة ، وتغيرها لا يمكن الجزم به كلياً ، بقدر مايكون نسبياً ، فأمام هذا التقابل ، نجد هناك سطوة للذة ، وهي تقيدة بتغير الزمان ، ومصداقها متقيد بتلقي الاخر للنص المنتج ، مهما كان شأنه ونوعه ، وبظل كل ذلك تبقى الذائقية ذاتاً لا يلتزم بإحكام التأريخ بقدر ما تتمرد عليه .

 

 

عدد المشـاهدات 128   تاريخ الإضافـة 25/04/2018   رقم المحتوى 19638
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2018/11/20   توقيـت بغداد
تابعنا على