00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الموسيقى والدماغ

أغلبية صامتة
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الموسيقى والدماغ

 

 طه النعمة

 

("الموسيقى هي هبة الله لنا كيما، في المقام الأول، تقودنا الى الرقي).

فريدريك نيتشة

بمقدورها تفجير دموعنا شجناً أو رسم الابتسامات على شفاهنا حبوراً او ايقافنا على روؤس الاصابع ترقباً او السير بنا الى أرض المعركة حماسةً أو تسليمنا للنوم هدهدةً ، تلك هي بعض مظاهر التأثير الساحق للموسيقى في بني البشر. وربما لهذا السبب بالذات لم توجد على الاطلاق حضارة أو ثقافة انسانية عاشت على وجه الارض بدون موسيقى. والبشر على الاغلب خبروا الموسيقى قبل ان تكون لهم ثقافة او حتى لغة. وقد تكون الاكتشافات الاخيرة في فرنسا وسلوفينيا لآلات الناي التي صنعها ابناء عمومتنا النياندرتال من عظام الحيوان والتي يعود تاريخ صنعها الى  (53 )  الف سنة مضت، اي ضعف المدة التي انقضت على رسوم الكهوف الشهيرة في لاسكو، خير دليل.

جذور بدائية

وعلى الرغم من قدم الموسيقى وطبيعتها ذات الجذورالبدائية في حياة البشرعانى العلماء في محاولاتهم التصدي لبعض الاسئلة الاساس حول أصولها وجدواها؛ اسئلة مثل كيف يكون ممكناً للاصوات، من حيث هي مجرد اصوات، احداث هذا التاثير العميق في سامعيها؟ وكيف يقوم الدماغ بمعالجة الموسيقى - بالمفهوم المعلوماتي -؟ وهل هناك دارات عصبونية دماغية متخصصة ومكرسة لانتاجها و / أو لفهمها ؟ وان كان هناك دارات عصبونية موسيقية، هل هي مثل الدارات الخاصة بالكلام لا توجد في غير البشر، ام هناك احياء اخرى تمتلك مثيلات لها؟ لقد اعتُقد تقليدياً ان نصف الكرة الدماغية الايمن هو الموقع الذي يتذوق الموسيقى ويتأثر بها، ولكن لا احد استطاع العثور على مركز دماغي خاص بالموسيقى فيه أو، في واقع الحال، في أي مكان دماغي آخر. والدراسات التي تناولت قدرة فهم الموسيقى من قبل الاشخاص الذين تعرض احد نصفي ادماغتهم للضرر، فضلاً عن تفرس ادمغة اشخاص آخرين اثناء استماعهم لمختلف النغمات، أظهرت بأن إدراك الموسيقى ينبثق من تفاعل الفعاليات في نصفي الدماغ كليهما. إذ إن الموسيقى وسواها من الاصوات التي تدخل الاذنين تذهب الى اللحاء السمعي وهو مجموعة من العصبونات (خلايا عصبية ) تقع في المنطقة التي تعلو الاذنين قليلاً والتي تؤلف الفص الصدغي في جهتي الدماغ، مهمتها ادراك المثيرات السمعية والتعرف عليها وتمييزها. وليس واضحاً، كما يقول مارك ترامو، الموسيقي وكاتب الاغاني الوافر الانتاج واستاذ العلوم العصبية في جامعة هارفارد، ما هو الدور الذي يؤديه اللحاء السمعي، أو إن كان له أي دور اصلاً ، في "الاحساس" بالموسيقى، ولكن من الواضح الآن ان هناك مناطق اخرى من الدماغ ذات علاقة بالانصات للموسيقى والتفاعل معها عاطفياً، لذا فان جهوداً حثيثة تبذل حالياً في اعداد خريطة للتوصيلات العصبية الرابطة بين اللحاء السمعي والانساق الدماغية الناظمة للانفعالات. والامر المثير للانتباه هو ان الباحثين وجدوا تناشطاً في بعض مناطق الدماغ التي تسيطر على الحركة عندما يستمع الاشخاص الى الموسيقى حتى قبل أن يقوم هؤلاء بتحريك أي جزء من اجسامهم. إذ ما ان تهم بتحرك قدمك على ايقاع الموسيقى فإن اجزاءً من النسق الدماغي الحركي تكون قد بدأت تقدح، مسبقاً، في دماغك. لذا، وكما يؤكد ترامو، فإن الموسيقى متأصلة حركياً كما هي متأصلة سمعياً في ادمغتنا. اذ ان بعضنا ’يقود‘ كما يفعل قائد الاوركسترا اثناء استماعنا الى الموسيقى حتى دون ان نحرك ايدينا، ونحن ندندن مع النغمات الواطئة، ونشعر بالرغبة في ارجحة اجسامنا مع الالحان الشائعة. واذا ما اضفنا مساهمة قسمات الوجوه وأنوار المسرح والمشاعر الجياشة فاننا لا نملك الا ان نقدر التركيبة المعقدة التي يضعها دماغنا مجتمعة في خدمة الاستماع للموسيقى والتفاعل معها أكان ذلك في القاعات والمسارح الكبيرة أم في غرفة صغيرة لا تضم سوى عدد محدود من المنصتين أم اثناء الانصات الانفرادي. وفي كل الاحوال، يمكن القول ابتداء، بأن الاكتشاف الأساس الذي توصل له الباحثون الأن هو ان الموسيقى تستثير مناطق دماغية كثيرة بما في ذلك مناطق منوط بها أنواع اخرى من العمليات الدماغية. لهذا السبب يؤكد ترامو في مقاله نشرت مؤخراً في مجلة ساينس ان الدماغ لا يحتوي على "مركز خاص بالموسيقى" كما كان يعتقد كثيرون. وكان ذلك احد الاستنتاجات التي توصل لها والتي استخلص بعضها من دراسات استخدمت فيها تقانات تفرس الدماغ بينما استخلص بعضها الآخر من الاختبارات التي اجريت على المرضى الذين تعرضوا الى اضرار دماغية غير نمطية.

فص صدغي

 وقد بينت خلاصة تلك الدراسات، وبدون الدخول في تفاصيلها الفنية، بأن الاشخاص الذين لديهم ضرر في الفص الصدغي الايسر من الدماغ يجدون صعوبة في تمييز المفتاح الموسيقي بينما يعاني اولئك الذين لديهم ضرر في نفس المكان من الفص الايمن، صعوبة في تمييز التغير الحاصل في طبقة الصوت والكِفاف contours الموسيقية.  ومن الامور الاخرى التي اخذت تتضح هي ان مناطق لم تكن متوقعة ولا هي متخصصة في أداء وظائف مركبة تؤدي أدوراً في تفسير الموسيقى وتأليفها والإحساس بها والقدرة على عزفها، فضلاً على إن بعض الباحثين اظهروا انه حتى منطقة اللحاء البصري المسؤولة عن ادراك وتعرف المثيرات البصرية هي الاخرى تساهم في تلك الفعاليات. إذ باستخدام التفرس بواسطة قذائف البوزترون لتعرف تأثير تغيير طبقة الصوت في بعض مناطق الدماغ وجد هارفه بلاتل وجين كلود بارون وزملائهم في جامعة كُن في فرنسا، لدهشتهم، بأن اجزاءً من منطقة برودمان في اللحاء البصري تتوهج كلما غيروا طبقة الصوت. وتعرف هذه المنطقة بشكل افضل على انها  " عين الذهن "، لانها بالاساس " الكانفاس " الذي " نرسم " عليه اخيولاتنا، وكل الصور المتخيلة تبدأ هناك. لذا فان بلاتل وبارون يقترحان رأياً مفاده ان الدماغ ينشئ صوراً بصرية رمزية للمساعدة في فكّ مغاليق التغير الحاصل في طبقة الصوت وربما في جوانب اخرى من البنية الموسيقية. ولكن الموسيقى، فضلاً على ما تقدم، تتغلغل أعمق من ذلك نزولا من الطبقات الخارجية للحاء السمعي والبصري وصولاً الى النسق الحافي ـ تكوين دماغي موجود في اللبائن كافة ـ الذي يقع في ’لب‘ الدماغ وهو المكان الذي يولّد انفعالاتنا. وكل انفعال يتولد هناك ينتج مجموعة معروفة من الاستجابات الفسلجية النمطية؛ الحزن، في سبيل المثال، يسبب تلقائياً تباطؤاً في النبض وارتفاعاً في ضغط الدم وانخفاضاً في قابلية الجلد على التوصيل وارتفاعاً في حرارة الجسم. وهكذا لكل انفعال مجموعة استجاباته الفسلجية الخاصة. وبواسطة قياس هذه الاستجابات الفسلجية تبين لكارول كرومهانسل من جامعة كورنيل ان الموسيقى تحدث طيفاً متنوعاً من الانفعالات، إذ وجدت، في سبيل المثال، إن الموسيقى ذات الايقاع السريع في مفتاح ’ماجور‘ تحدث تغيرات فسلجية مرتبطة بالبهجة او الفرح، بينما في المقابل يستثير الايقاع البطئ في مفتاح ’ماينور‘ الشجن او الحزن في المستمعين. ولا يبدو ان مثل هذا التاثير الساحق للموسيقى في النسق الحافي وغيره مجرد مصادفة كما يؤكد بعض الباحثين ففي ورقة نشرت مؤخراً في مجلة ساينس اقترحت باتريشيا كري، رئيسة برنامج "بايولوجيا الموسيقى" في الاكاديمية الوطنية الامريكية للعلوم، وزملاؤها ان الموسيقى جاءت الى هذا العالم قبل مجيء البشر اليه بزمن بعيد، مضيفين إن حقيقة جمع موسيقى الحيتان وموسيقى البشر مشتركات كثيرة، على الرغم من ان دربنا النشوئي قد افترق عن الحيتان منذ اكثر من ( 60 ) مليون سنة، تشير الى ان الموسيقى سابقة للبشر، وبدلاً من ان نكون نحن من اخترع الموسيقى فاننا، على ما يبدو، قادمون متاخرون الى المشهد الموسيقي. وتلاحظ كري وزملاؤها ان مؤلفي موسيقى الحيتان حدباء الظهر الغنائية يستخدمون نفس طرق مؤلفي الموسيقى من البشر ومناوراتهم. إذ فضلاً عن استخدامها نفس الايقاعات فان حدباء الظهر تبقي المقاطع لبضع ثوان منشئة نغمة لحنية رئيسة منها مع بعض التنويعات اللحنية عليها قبل غناء النغمة التالية. وغناء الحيتان عموماً، كما تشير كري، ليس اقصر من انشودات البشر وليس اطول من الزمن الذي تستغرقه حركةٌ سمفونية، وربما كان ذلك ناجم عن أن الامتداد الزمني لانتباه الحيتان والبشر متقاربان. وعلى الرغم من انها قادرة على الغناء على مساحة سبعة اوكتافات فان الحيتان تنشد نمطياً وفقاً لمفتاح وتميز بين النوتات المتجاورة ولا تبتعد عن السلم الموسيقي، وهي تخلط النقر مع النغمات الصافية بنفس القدر من التناسب الذي يستخدمه مؤلفوا الموسيقى. وتتبع الحيتان نفس الشكل آ ب آ الذي تقدم فيه النغمة اللحنية الرئيسة وتنويعاتها ومن ثم زيارتها ثانية مع تعديل طفيف عليها. والامر الاكثر اثارة للدهشة كما تقول كري ان اغاني حدباء الظهر تتضمن لوازم غنائية مسجّعة مكررة، وان هذه الاغاني يمكن تعلمها وأداءها من قبل مجموعات حيتان اخرى من غير المجموعة الاصلية التي أُلفت فيها تلك الاغاني. والمواهب الموسيقية والالتزام بقواعد التاليف المعروفة هذه موجودة ايضاً في كائنات اخرى مثل الكثير من انواع الطيور، لذا فهي نادراً ما تصدر اصواتاً ناشزة، وربما لهذا السبب نطرب عادة  لغنائها او لتغريدها. وإذا ما حاولنا، من ناحية أخرى، ايضاح كيف يكون بمقدور الموسيقى احداث انفعالات في مستمعيها فإن ذلك يجب أن ينال اهمية اضافية طالما ان الموسيقى تستخدم بالفعل في عدة تطبيقات في الحياة اليومية تؤدي فيها انفعالات الموسيقى دوراً رئيساً كما هو حال الموسيقى التصويرية في الاشرطة السيمية ـ ولعل كاتب المقالة لازال يتذكر الوقع الصاعق لموسيقى مشهد الحمّام في شريط ’سايكو‘ لألفرد هتشكوك ـ وفي اشرطة الدعاية التسويقية وفي العلاج النفسي.

جوانب احيائية

وبحسب ترامو فان دراسة الجوانب الإحيائية للموسيقى بمقدورها ـ فضلاً عن زيادة فهمنا الاساس لها ـ ان تؤدي الى تطبيقات عملية ذات علاقة بالتعلم، والصمم، وتنمية الشخصية، وبمقدور الموسيقى، كما تشير الدراسات مؤخراً، المساعدة، ضمن امور اخرى، في خفض ضغط الدم وتخفيف الاحساس بالالم. وبامكان فهم بيولوجياً الموسيقى من الناحية الاخرى تمكيننا من استخدامها على نحو افضل في المجال الطبي وسواه من المجالات التي تشير الادلة الى ان الموسيقى يمكن ان تكون مفيدة فيها. إذ وُجد إن استخدام الموسيقى الناعمة في وحدات العناية المركزة للاطفال الخدج، فضلاً عن مناغاة الامهات والممرضات، تساعد الاطفال في اكتساب زيادة في الوزن بصورة اسرع  ومغادرة الوحدة ابكر من اولئك الاطفال الذين لم يستمعوا الى اي من تلك الاصوات. في الطرف الآخر من متصل السن وجد ان استخدام الموسيقى مع مرضى الزهايمر لا يخلو من فوائد هو الاخر. إذ في اوقات الوجبات في بيوت رعاية المسنين او المستشفيات يكون من الصعب تنظيم هؤلاء الاشخاص، وكثيراً ما تتفجر النزاعات واحياناً الاشتباكات بينهم، ولكن مع النوع الملائم من الموسيقى، اتضح ان مثل هذه الخصومات والمنازعات تقل بشكل مؤثر. وقد وجدت مجموعة من العلماء في كلية طب جامعة هارفارد نتيجة أبحاثهم على مرضى فقدوا قدرتهم على النطق، بعد تعرضهم لجلطة دماغية، بأن هؤلاء المرضى يمكنهم التواصل إن هم استخدموا الموسيقى. إذ أظهرت هذه المجموعة إن مرضى كانوا يتواصلون بواسطة الأرقام والهمهمات فقط أصبحوا قادرين، بعد إستخدام علاج موسيقي خاص، على نطق مقاطع مثل ’أنا عطشان‘ إن هم وضعوا لها لحناً وغنوها. وقد تبين بأن استخدام الغناء الملحن يساعد على إعادة تسليك أدمغة هؤلاء المرضى، أي استعادة التوصيلات العصبونية المقطوعة.      ولكن على الرغم من ان البحوث حول تاثير الموسيقى في الدماغ والانفعالات على وجه الخصوص شهدت ازدهاراً غير مسبوق في العقدين الاخيرين الا ان الادبيات المنشورة قدمت تصورات شتى وآراء متعارضة حول كل جانب من جوانب الموضوع. بعض الدراسات خلصت الى القول ان الاستجابات الانفعالية للموسيقى لا تحدث تلقائياً او اعتيادياً، في حين ان بعضها الآخر يؤكد العكس موضحا ان تلقائية الاستجابة الانفعالية للموسيقى امر لا يمكن اخفاؤه او انكاره. بينما يعتقد فريق ثالث من الباحثين، انه في قلب هذا الجدال، تكمن حقيقة ان غالبية الباحثين لم يكرسوا انتباهاً كافياً للسؤال الآتي: كيف يمكن للموسيقى استثارة تلك الانفعالات؟ لإن كثيراً مما كتب حول الموضوع حديثاً يتفق على ان هذه المسألة هي المسالة الاكثر اهمية، إذ إن الامر المتعارف عليه هو ان الموسيقى تستثير استجابات انفعالية عنيفة وهم يريدون معرفة لماذا يحدث هذا. مع ذلك فان استعراضاً لما كتب يظهر، على نحو يثير العجب، ان عدداً ضئيلاً منه قدم مجرد محاولات لا اكثر لايضاح الآليات النفسية الكامنة خلف استجابة المستمعين الانفعالية للموسيقى . وقد توفرت، في الآونة الاخيرة، ادلة  تشير الى ان معظم الاستجابات الانفعالية للموسيقى لا تحتوي على تضمينات ذات صلة باية اهداف حياتية يمكن تبينها، مما يفسر لمَ بقيت محافظة على غموضها. إذ إن استجابة المستمع الحزينة تبدو مفتقدة للمعتقدات المرافقة نمطياً " للحزن " او بتعبير آخر " انا اشعر بالحزن ولكني لست حزيناً ". لذا يشير باحثون مثل كابريلسون الى ضرورة تجاوز النظرية الإستعرافية التثمينية، والالتفات الى طرق بديلة اقل تبسيطاً يمكن للموسيقى استثارة الانفعالات بواسطتها، لان هناك آليات اخرى اكثر صلة بموضوع الموسيقى.

انفعالات موسيقية

ولكن المشكلة هي ان غالبية الباحثين، على ما يبدو، تبنوا خطأ فكرة ان الانفعالات الموسيقية يمكن دراستها ووصفها بدون اخذ النظر في كيفية نشوئها او استثارتها بعين الاعتبار. ولعل البداية يمكن أن تكمن في الانتباه الى ان الاطفال يولدون ومعهم تفضيلاتهم الموسيقية، بل انهم يبدأون الاستجابة للموسيقى وهم اجنة في الارحام، ويستنتج الباحثون من ذلك ان مثل هذه الاستجابات دليل على ان بعض الاسس والقواعد التي تحكم الموسيقى، فضلاً عن الاستجابة لها، تمتلك مراكزها وتوصيلاتها العصبونية الراسخة المسبقة في الدماغ، لذا فان مؤلفي الموسيقى الذين يخرقون تلك الاسس والقواعد على نحو مكشوف يجعلون جمهورهم من الصغار والكبار يتلوى ضيقاً واستنكاراً. ويشير كي شيلمي استاذ الموسيقى في جامعة هارفارد الى ان كل انسان ياتي الى الدنيا تاتي معه بصمات واستعدادات موسيقية جبلّية، ومنذ سن مبكرة تعدل هذه البصمات والاستعدادات وتكيف بواسطة الانساق الموسيقية السائدة في البيئة الثقافية التي ينشأ فيها الطفل، لان البيئة الثقافية، كما لا يخفى، تتدخل في تكوين بنية الآلات الموسيقية المستخدمة واسلوب غناء الناس وكذلك في  طريقة انصاتهم للاصوات المختلفة. اما عند الحديث عن الافضلية النشوئية التي يمكن ان تمنحها الموسيقى للبشر فان الباحثين هنا يختلفون فيما بينهم اختلافاً بيّناً؛ اذ بينما يعدها ستيفن بنكر، الباحث الالسني في معهد ماساشوسيت للتكنولوجيا ومؤلف الكتب واسعة الإنتشار، مجرد "كعكة جبنة" – مقارنة بالطعام الحافظ لاستمرار الحياة ـ أو "مجرد حادث نشوئي طارئ يتحصل على عبور مجاني ممتطياً ظهر اللغة"، فإن باحثين نشوئيين آخرين يخالفونه الراي، بما فيهم جيوفري ميللر من كلية لندن الجامعة، مشيرين الى ان "حدثاً طارئاً" لا يمكنه ان يستثير مراكز عتيقة من الدماغ مثل بعض اجزاء  المخيخ، مقترحين ان تكون للقابلية الموسيقية افضلية نشوئية مشابهة لتلك التي يمنحها المنكبان العريضان أو الريش المزركش المبهر، في سبيل المثال، لانها تيسر إستعراض مظاهر اللياقة امام وليف محتمل. إذ، بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى، فان القدرة على الغناء أو العزف على آلة موسيقية او تأليف الموسيقى تتطلب مهارة فكرية وحركية وحساسية انفعالية وذاكرة جيدة وهذه صفات لا شك مرغوب بها من قبل أي وليف محتمل. ويضيف دانييل ليفيتين من جامعة مكجيل رأيا اخر في هذا السياق مفاده ان الموسيقى يمكن لها أن تخدم غرضاً تواصلياً ايضاً، وربما كانت بداياتها تقليداً للايقاعات والكِفاف التي اتسمت بها نداءآت وصيحات اسلافنا الاولين واستحضاراً لها. وكذلك يشير الى احتمال ان تمنح الموسيقى افضلية من خلال استثارة ايقاعات ادراكاتنا البدائية للتوقيتات المتوافقة مع الايقاعات الحيوية للكينونة، إذ إن الموسيقى هي بالاساس فعالية توقيعية زمانية. ويمكن للموسيقى كذلك، بحسب ليفيتين، ان تستثير دوافعنا للعثور على المواضيع المنمطة في البيئة، لان الدماغ يحاول بصورة متواصلة استخلاص النظام من اللانظام، ولذا فان الموسيقى، ضمن امور اخرى، يمكن ان تكون لعبة انماط رائعة في خدمة وظائفنا الاستعرافية العليا. وخلاصة القول؛ فانه من المؤكد ان الباحثين لن يتفقوا، في وقت قريب، على ما هو هدف الموسيقى، ولكن هذا لن يحول، لحسن الطالع، دون استماع أي منا لها والاستمتاع بها.    { طبيب نفسي

عدد المشـاهدات 697   تاريخ الإضافـة 07/10/2017   رقم المحتوى 12473
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2018/11/20   توقيـت بغداد
تابعنا على